جاء من أقصى المدينة يسعى، فتح باب سيارته الحمراء المتهالكة بفعل الزمن، وأخرج ما تيسّر له من الحبوب، ووضعها بعناية على الرصيف أسفل الكوبري.
قبل فراغه من مهمته أقبلت الطيور، تلتقط حبات رزقها في أمان، بينما اختفى الرجل سريعًا، كطيف جميل مرّ من هنا وترك خلفه شيئًا من الرحمة.
على الجانب الآخر، كانت امرأة تقف إلى جوار ابنتها، بملابس بسيطة تقول الكثير عن ضيق الحال. انتظرتا حتى اختفى الرجل، ثم اقتربتا من الحمام الأمن.
وفي لحظة خاطفة، ألقت شالًا خفيفًا، واصطادت مع ابنتها عددًا من الحمام، وضعته في حقيبة ومضتا.
دقائق معدودة شهدت رجل يطعم الحمام...وامرأة جاءت لتطعم أهل بيتها الله وحده يعلم حالها
هو رأى في الطيور أرواحًا تستحق الرزق، وهي رأت فيها رزقًا يستحق أن تعود به إلى بيتها.
وبين الرحمتين، وقف الفقر صامتًا؛ لا يملك رفاهية أن يكون رحيمًا دائمًا بالطريقة التي نحبها.
ربما لا نملك أن نحاكم أحدًا من لقطة عابرة؛ فنحن لا نعرف أيّهما كان أكثر جوعًا، الحمام الذي التقط الحبوب، أم الطفلة التي انتظرت أمها بما في الحقيبة.
أحيانًا تكون الحياة قاسية إلى الحد الذي يجعل الرزق نفسه يتيمًا، تتنازعه الكائنات كلٌّ بحسب حاجته.كلاهما مضي
وبقي الحمام شاهدًا على مفارقة لا تُحل:
وربما كانت الرحمة، في الحالتين، تبحث فقط عن طريقها إلى جائع.